فصل: تفسير الآيات (1- 18):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.سورة النجم:

نزولها: مكية باتفاق.
عدد آياتها: اثنتان وستون آية.
عدد كلماتها: ثلاثمائة وستون كلمة.
عدد حروفها: ألف وأربعمائة وخمسون حرفا.
مناسبتها لما قبلها:
كانت سورة الطور مواجهة صريحة بالاتهام للمشركين، بمفترياتهم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وبمقولاتهم الآثمة فيه، وبأنه شاعر يتربصون به ريب المنون، وأنهم لهذا لا يقبلون ما يدعوهم إليه من هدى، يطالعهم به في آيات اللّه التي يتلوها عليهم، وأنهم لهذا أيضا، متمسكون بما معهم من أباطيل وضلالات يدينون بها، ويقيمون حياتهم الروحية عليها.
وقد ووجهوا بهذه الضلالات، وضبطوا متلبسين بها، وسئلوا عن المصدر الذي تلقوها منه- فلم يكن لهم هناك جواب إلا الحيرة والوجوم.
وجاءت سورة النجم تعقيبا على هذا الموقف الذي جمد فيه المشركون، وخرسوا أمام هذه التهم التي تلبسوا بها، وفى أعينهم نظرات زائغة.
يرمون بها هنا وهناك ليجدوا مخرجا من هذا المأزق الحرج الذي هم فيه.
وفى هذا التعقيب يعرض على المشركين الوجه الذي ينبغى أن يسلكوه، إن هم أرادوا الخروج من هذه الحيرة التي لبستهم.
ومن جهة أخرى، فإن سورة الطور، قد ختمت بقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ}.
على حين بدئت سورة النجم بالقسم بواحد من هذه النجوم، التي أدبرت مع ضوء الصبح الوليد.. فكان هناك أكثر من مناسبة جمعت بين السورتين.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.

.تفسير الآيات (1- 18):

{وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (2) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (7) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (8) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (9) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (10) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (11) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (14) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (16) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (17) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (18)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى}.
الواو: للقسم.
والنجم: مقسم به من اللّه سبحانه وتعالى:
والواقع عليه القسم، هوقوله تعالى: {ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى.
الآيات}.
وقد اختلف في المراد بالنجم، فقيل هو ما ينزل من القرآن منجّما، وقيل هو الرسول، وقيل هو جنس النجم، الشامل لجميع نجوم السماء، وقيل هو الشعرى اليمانية.
واختلف كذلك في معنى {هوى} فقيل بمعنى سقط، رجوما للشياطين، أو تناثر، وذلك يوم القيامة، وقيل {هوى} بمعنى غرب، أو بمعنى طلع.
والذي نراه- واللّه أعلم- أن المراد بالنجم هو النجم القطبي، الذي يهتدى به السائرون ليلا في البرّ، وفى البحر، وهو يأخذ دائما اتجاه الشمال.. وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [16: النحل].. فهذا النجم- واللّه أعلم- هو النجم الذي أقسم اللّه سبحانه وتعالى به.
والذي نراه- واللّه أعلم- في قوله تعالى: {هَوى} أن معناه، أفل، واختفى، في ضوء الصبح المشرق.. وهو المناسب لقوله تعالى في آخر سورة الطور: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ}.
واختصاص هذا النجم من بين نجوم السماء، بالذكر، لأنه من أضوأ نجوم السماء، ومن أكثرها صلة بحياة الناس، وهداية لهم في السير، في ظلمات البر والبحر.
وفى القسم بالنجم في حال هوّيه، وأفوله، ووقوع هذا القسم على النبي وأنه ما ضلّ وما غوى، كما يرى ذلك المشركون الضالون- في هذا إشارة إلى أمور:
أولها: أن ظهور النبي- صلوات اللّه وسلامه عليه- كان في ظلمة ليل بهيم، أطبق على العالم كله، وأناخ بكلكله على الجزيرة العربية وأهلها، وأن ظهوره هذا، كان أشبه بالنجم القطبي، الذي يرى منه المدلجون في الليل هاديا، إذا هم رفعوا رءوسهم إلى السماء، ومدوّا أبصارهم إليه.
وثانيها: أن هذا النجم السماوي البشرى، المثل في النبي، والنور الذي معه- لم يهتد به، في الدور المكىّ من الدعوة، وإلى وقت نزول هذه السورة- إلا أعداد قليلة من الناس، هم الذين رفعوا رءوسهم إليه، وطلبو الهدى منه.. أما الكثيرة الكثيرة من المشركين، فقد كانوا في نوم عميق، تطرقهم فيه رؤى الأوهام، وأضغاث الأحلام!! وأن هذا النجم الهادي يوشك أن يغرب عن أفقهم، ويفوتهم الاهتداء به، والتعرف على الوجه الصحيح الذي يسلكونه على درب الحياة.
وثالثها: أن هذا النجم القطبي- وإن غاب عن الأعين- فإنه في حقيقته قائم في مقامه العالي، حيث هو.. هكذا يراه أهل العلم.. وكذلك الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه- وإن غاب شخصه عن أعين الناس، فإنه قائم في مقامه المكين، من قلوب المؤمنين أبدا الدهر.
ورابعها: أن النبي الكريم، وإن ظهر في أول أمره نجما، لا تكتحل بضوئه إلا العيون التي تطلبه، فإن أمره بعد هذا سيعظم، ويتحول إلى صبح مشرق، يملأ العيون، وينعش النفوس، ويوقظ الأحياء.. ثم لا يلبث هذا النبي أن يطلع شمسا ينفذ شعاعها إلى الكائنات، فيلبس المؤمنون به، المتعرضون لضوئه، حللا من النور، والجلال، على حين تنجحر من ضوئه الهوام والحشرات، وتقتل تحت ضربات أشعته الفيروسات والجراثيم.
وخامسها: أن هؤلاء المشركين، الذين لم يهتدوا بضوء النبي نجما ثم لم ينتظموا في ركبه صبحا ثم لم يستقبلوا ضوءه شمسا هؤلاء المشركون لن يكون مصيرهم إلا كمصير هذه الجراثيم، تموت تحت ضربات الشمس.
أو كهذه الهوام والحشرات، لا يرى لها وجه ما دام هذا الضوء قائما.
وقد كان، فإن كثيرا من المشركين الذين عاصروا النبوة ماتوا ميتة الجراثيم، وكثير منهم انجحر بين أربعة جدران من بيته إلى أن مات حسرة وكمدا، دون أن يشعر به أحد! وقوله تعالى: {ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى} هو المقسم عليه من رب العزّة جلّ وعلا، وهو تبرئة لمقام النبيّ الكريم أن يكون بمظنة سوء، أو بموضع تهمة، فهو صلوات اللّه وسلامه عليه، كما شاء له ربه أن يكون، وكما عرف ذلك منه قومه معرفة عيان وابتلاء- هو الصادق الأمين، الذي لم تجرب عليه كذبة قط ولم يعرف عنه- ولو على سبيل الكذب والافتراء عليه- أنه خان أمانة، أو أخلف وعدا، أو نقض عهدا، ولهذا كان عند قومه يدعى الصادق الأمين.
والضلال: ضد الهدى، ويكون غالبا عن جهل.
والغىّ، ضد الرشاد، ويكون غالبا عن اتباع الهوى.. وفى مخاطبة قريش بقوله تعالى: {صاحِبُكُمْ} إشارة إلى تلك الصحبة الطويلة التي صحب فيها النبيّ قومه قبل البعثة، وإلى ما عرفوا منه خلال تلك الصحبة من أمانة، وصدق، واستقامة، ونبل، وسداد رأى، ورجاحة عقل، حتى نزل من قلوبهم جميعا منزلة الصاحب من قلب صاحبه.. فكيف تتبدل حالهم معه، بعد أن جاوز الأربعين؟ وكيف ينكرون عليه ما جاءهم به دون أن ينظروا فيه بعقولهم، ويقفوا طويلا عنده، قبل المسارعة بهذا الاتهام من غير تدبر أو نظر؟.
وقد كان يمكن أن يكون لهذا الإنكار الذي استقبلوا به دعوة النبي- وجه من العذر، لو كان النبي طارئا عليهم، غير معروف لهم، أو كان موضع تهمة عندهم من قبل.. وأما وللنبى فيهم مقام كريم، ومعاشرة طويلة، قائمة على الإكبار والإجلال والتعظيم- فإن المبادأة بهذا الاتهام مما لا يستقيم على منطق أبدا، ولا يقوم له وجه من العذر بحال أبدا.
وقوله تعالى: {وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى} هو معطوف على المقسم عليه، وهوقوله تعالى: {ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى} أي وما ينطق بما نطق به، عن هوى يترضّى به شهوة من شهوات النفس، أو يتصيد به مطلبا من مطالب الحياة.
وقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى}.
أي ما هذا الذي ينطق به صاحبكم هذا، إلا وحي يوحى إليه من ربه، وليس عن هوى متسلط عليه من أهواء النفس.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [16: يونس].
وقوله تعالى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى}.
الضمير في {علمه} بعود إلى جبريل عليه السلام- أمين الوحى، وسفير السماء إليه، برسالة ربه، وبكلماته.. وأنه هو الذي أوحى إلى الرسول بهذا العلم الذي تنكرون على محمد ما يتلوه عليكم منه.
ومن صفات جبريل- عليه السلام- أنه {شديد القوى} أي قوىّ أمين حافظ لما يحمل من رسالات اللّه سبحانه وتعالى إلى رسله، كما يقول سبحانه:
{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [19- 21: التكوير].
ومن صفات جبريل كذلك أنه {ذو مرّة} أي جلد وصبر، وقدرة على حمل هذه الأمانة التي كلّف بحملها.. وإنها لأمانة ثقيلة أبت السماء والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها.
وقوله تعالى: {فاستوى} الفاء هنا للتفريع.. أي أن جبريل بهذه الصفات التي أقام اللّه سبحانه وتعالى خلقه عليها، قد {استوى} أي استوفى الصفات التي تؤهله لهذه الوظيفة، والتي تمكنه من القيام بها على الوجه الأكمل.
وقوله تعالى: {وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى} هو معطوف على ما قبله، وهو صفة من صفات جبريل، عليه السلام، تشير إلى العالم العلوي، الذي يعيش فيه.. أي أنه ملك سماوى، وليس من هذا العالم الأرضى.
وهذا الذي ذهبنا إليه، في تأويل هذه الآيات الثلاث، أولى- في رأينا- مما ذهب إليه المفسرون من جعل قوله تعالى: {وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى} جملة حالية، من الفاعل في قوله تعالى: {فاستوى} بمعنى {فاستوى} أي جبريل حالة كونه {بِالْأُفُقِ الْأَعْلى} أي أنه عرض نفسه وهو بالأفق الأعلى، في صورته التي خلقه اللّه عليها، لا في تلك الصور التي يمكن أن يتشكل فيها، حسب مقتضيات الأحوال، كأن يكون في صورة بشرية، من تلك الصور التي كان يلقى بها النبي في بعض الأحيان.
ويذهب المفسرون في هذا إلى أن تلك الصورة الذاتية لجبريل، إنما كانت له عند ما جاء إلى النبي- صلوات اللّه وسلامه عليه- في مفتتح الرسالة في غار ثور الذي كان يتعبد فيه، قبل البعثة وأن جبريل- عليه السلام- لقيه يومئذ في صورته الكاملة التي له، والتي ظهر فيها- كما يقول المفسرون- بستمائة جناح له، الأمر الذي كان داعية إلى هذا الفزع والاضطراب الذي ملأ كيان النبي يومئذ..!
وهذا الذي ذهب إليه المفسرون، على ما فيه من تكلف ظاهر في التأويل- هو- من جهة أخرى- بعيد عن منطق الحكمة في اتصال النبي بالسماء، حيث يطلع عليه منها في أول لقاء معها، هذا الهول المفزع الذي لا يمكن أن يكون أبدا مدخلا حكيما إلى قيام صلة وثيقة بين السماء وبين النبي المتلقى لرسالة السماء منها.
فتعالت حكمة اللّه سبحانه وتعالى عن هذا، علوا كبيرا.
ولعل الأقرب والأوفق، في هذا المقام، أن يجيء جبريل إلى النبي في أول لقاء له معه، في صورة بشرية، أو أقرب إلى البشرية.. فهكذا يقتضى المنهج الحكيم، في التربية والتعليم، وذلك بالتدرج من السهل إلى الصعب. وهكذا جاءت ملائكة السماء إلى إبراهيم كما يقول سبحانه: {هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} فقد جاءوا إليه في صورة بشرية كاملة.. كما جاءوا إلى لوط في تلك الصورة البشرية نفسها، إذ يقول عنهم مخاطبا قومه.
{إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ} [68: الحجر].
وهكذا جاء رسول السماء إلى {مريم} كما يقول: {فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا}.
.. (17: مريم) وأحسب أن الذي حمل المفسرين على هذا التأويل المتكلّف، هو رأيهم في فواصل الآيات القرآنية، وأنها قد نجيء لمراعاة النظم.
ولو أنهم، نظروا إلى الإعجاز القرآنى، الذي لا تحكمه ضرورة القافية التي قد تحكم الشعر لو أنهم نظروا إلى هذا، لجعلوا قوله تعالى: {فاستوى} هو فاصلة الآية، التي يقتضيها المعنى ويتم بها، ولكان الوقوف عندها مستوفيا المعنى المراد، ولما جعلوا الآية التي بعدها تتمة لها، وإنما هي كلام مستأنف، يخبر به عن المكان الذي يكون فيه جبريل، وهو الأفق الأعلى.
قوله تعالى: {ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى}.
الحديث هنا عن جبريل- عليه السلام- وهو يحمل كلمات اللّه، إلى رسول اللّه.. إنه {دنا} أي قرب من النبي، {فتدلّى} أي قرب أكثر فأكثر، شيئا فشيئا، في لطف، ورفق.. فهو إذ يأخذ طريقه إلى النبي، ينطلق انطلاقا بكل قوته، حتى إذا دنا من النبيّ، تخفّف من سرعته شيئا فشيئا، حتى يلتقى به، ويكون منه {قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى}.
فيصافحه في رفق ولطف، شأن الطائر حين يهوى من الجو إلى الأرض في سرعة خاطفة، فإذا دنا من الأرض خفف من سرعته شيئا فشيئا حتى يلامس سطحها.
وقاب القوس: المسافة ما بين مقبض القوس ووتره، وذلك حين يشدّ القوس لإطلاق السهام منه، فيكون أشبه بنصف دائرة.
وهذا- واللّه أعلم- هو السر في تشبيه التقاء جبريل بالنبي، حيث يكون كل منهما أشبه بقوس مشدود مهيّا للرماية، يقف كل منهما في مواجهة صاحبه، مشدودا إليه، حتى يتماسا عند نهاية القاب، الذي يبدأ من مركز الدائرة إلى محيطها.
ومن جهة أخرى.. فإن القوس، في حال شدّة، يكون متوترا واقعا تحت قوة مؤثرة، تشده شداّ عنيفا.. وكذلك شأن كلّ من جبريل، والنبي في حال التقائهما.. إنهما يتجاذبان جذبا قويا.. فجبريل يجذب نفسه إلى حال بشريّة، والنبي يجذب نفسه إلى جهة الملائكة.
وهكذا يظلان يتجاذبان، وقتا معا، حتى يتماسا، كما يتماس وترا القوسين المشدودين، المواجه كل منهما للآخر، وهنا يتم اللقاء والتجاوب بينهما.
والعطف بالحرف: {أو} في قوله تعالى: {فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى} ليس للشكّ في الحكم الواقع على ما بين القوسين من قرب وتلاحم، وإنما هو لتأكيد هذا القرب، وأنه بالنسبة لمن يرونه تختلف عليهم رؤيته، فيراه بعضهم قاب قوسين، ويراه بعضهم أدنى وأقرب من ذلك.
وفى قوله تعالى: {فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى}.
إشارة إلى ما يقع في هذا اللقاء بين جبريل والنبي، وهو أن جبريل يوحى إلى النبيّ، ما أمره اللّه سبحانه وتعالى بوحيه إليه من آيات اللّه وكلماته.
وفى قوله تعالى: {عبده} بإضافة النبي الكريم- بصفة العبودية إلى ربه- في هذا تكريم للنبى الكريم، وإضافة له إلى رب العالمين، الذي ربّاه، وأحسن إليه، وعلمه ما لم يكن يعلم.
وفى قوله تعالى: {ما أَوْحى}.
بتجهيل هذا الذي أوحى إلى النبي- تفخيم لهذا الموحى به، وأنه مما يجلّ عن الوصف، ومما لا تحصره الأوصاف.. فقل فيه ما تشاء من أوصاف الكمال والجلال، فإنك لن تبالغ صفته.
قوله تعالى: {ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى}.
أي ما كذب {الفؤاد} أي القلب، فيما رأى وعاين، مما يتلقى من آيات اللّه.. وفى التعبير عن العلم الذي وقع في قلب النبي من هذا الذي ألقاه جبريل إليه- في التعبير عن هذا العلم، بالرؤية- إشارة إلى أنه علم محقق يراه القلب، في جلاء ووضوح، أشبه بما ترى العين الباصرة من مبصرات.. وهذا التلقّى عن طريق الفؤاد أي القلب- هو ما يشير إليه قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [193- 195:
الشعراء].
والذي نزل به الروح الأمين جبريل على النبي، هو كلمات اللّه، وأنها نزلت بلسان عربى مبين، ولم تنزل معانىّ مجردة، صاغها النبي صياغة باللغة العربية كما يتخرص بذلك المتخرصون، الذين يقولون إن القرآن قسمة مشتركة بين الوحى وبين النبي.. فالموحى به إلى النبي هو المعنى الذي يقع في قلب النبي، وأما اللفظ الذي يتشكل فيه هذا المعنى، فهى من النبي.. وهذا ما يكذّبه قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} فقوله تعالى: {بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} متعلق بقوله تعالى {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} أي نزل به بلسان عربىّ مبين وقد عقدنا لذلك مبحثا خالصا في هذا التفسير، تحت عنوان: كلمات اللّه وكيف تلقاها النبي.
قوله تعالى: {أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى}.
المماراة، المجادلة، والبهت، والتكذيب.
والآية تحمل استفهاما إنكاريّا، ينكر على المشركين مماراتهم للنبى، وجدلهم له، فيما رأى من آيات ربه مما لم يروه.. إنه شاهد وهم غائبون، وهو مبصر، وهم لا يبصرون.. فكيف يجادل الغائب فيما يخبر به الشاهد؟ وكيف يكون للأعمى حجة يحاجّ بها ما يراه المبصر؟
المعراج.. وما يقال فيه:
قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى}.
هو تعقيب على مماراة المشركين للنبى وتكذيبهم له، لما يتلوه عليهم، ويقول لهم عنه، إنه كلمات اللّه، وآياته، تلقاها وحيا من ربه، على لسان أمين الوحى، ورسول السماء، جبريل، عليه السلام.
وإنهم إذ يمارون في أن تتدلىّ ملائكة السماء إلى الأرض، وأن تخالط إنسانا من الناس، وتلقى إليه بكلمات اللّه- إنهم إذ يمارون في هذا ويستكثرونه، ألا فليسمعوا ما هو أغرب وأعجب!! إن هذا النبي الذي يستكثرون عليه أن يكون على صلة بالسماء، وأن يتنزل عليه ملك من عند اللّه- هذا النبي هو الذي قد دعى إلى السماء، وهو الذي أصعد إلى الملأ الأعلى، في موكب عظيم، تحفّ به الملائكة، ويحدو ركبه الأمين جبريل، وأنه مازال يصعد بركبه المبارك الميمون المهيب، حتى بلغ سدرة المنتهى، وهو غاية ما تنتهى إليه الطاقة البشرية، في أعلى منازلها.
والسدرة، واحدة السدر، وهو شجر النبق، وهو من أشجار البادية، دائم الخضرة، كثير الفروع، ممتدّ الظلال.
واختيار شجرة السدر، للدلالة على النهاية التي لا يتجاوزها مخلوق من العالم العلوي- لأن شجر السدر شجر صحراوىّ، ينبت على حافة الصحراء، بين البادية والحاضرة، فهو بهذا أمارة من أمارات البادية التي تكاد تماسّ الحياة الحضرية، وتقف على عتبتها، دون أن تتجاوزها إلى ما وراءها.. إنها أقوى، وأقدر نبت أصيل من نبات البادية، يستطيع أن يمتد فيصل إلى مشارف العالم الحضري.
أما النخل- فإنه وإن كان من نبت الصحراء، إلا أنه لا ظلّ له، يجتمع الناس تحته.، كما هو الشأن في شجر السّدر.
وأما العنب والرمان، ونحوها، فإنها من نبات الحضارة أصلا، ثم استجلبت إلى البادية.
وعلى هذا، فإن شجرة السدر هنا تشير- واللّه أعلم- إلى نقطة التقاء بين عالمين عالم البشر الذي تتحرك فيه البشرية جميعها، والتي تستطيع بما يمدها اللّه سبحانه وتعالى من فضله أن تصعد في هذا العالم حتى تبلغ سدرة المنتهى، ممثلة به في خاتم النبيين، محمد، صلوات اللّه وسلامه عليه، وعالم الملائكة المقربين، الذين جعل اللّه لهم وراء سدرة المنتهى مجالا آخر. ينطلقون فيه، ومنهم جبريل عليه السلام.
والضمير في قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ} يراد به النبي- صلوات اللّه وسلامه عليه- أي أن النبي رأى جبريل نزلة أخرى، وهو في الملأ الأعلى عند سدرة المنتهى.
وفى قوله تعالى: {نَزْلَةً أُخْرى} إشارة إلى أن جبريل- عليه السلام- نزل نزلة أخرى في العالم العلوي، غير تلك النزلة التي ينزلها إلى العالم الأرضى.
وإنه التقى برسول اللّه عند سدرة المنتهى، التي عندها جنة المأوى.. وهذا يعنى أن جبريل عليه السلام نزل من العالم العلوي، مما فوق سدرة المنتهى، حتى بلغ سدرة المنتهى.. حيث كان بينه وبين النبي لقاء في هذا العالم العلوىّ، الذي يفيض بجلال النور، وبهائه، مما لا تدرك العقول كنهه، ولا يقع في الخيال تصوره.
وقوله تعالى: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى}.
{إذ} ظرف يكشف عن الحال التي تم فيها لقاء النبي مع جبريل، عليهما السلام، عند سدرة المنتهى، فقد غشى هذه السدرة، ما غشّاها، ولبسها من الروعة والجلال ما لبسها، مما لا تدركه العقول، ولا تناله الأفهام.
وقوله تعالى {ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى} المراد بالبصر هنا، بصر النبي صلوات اللّه وسلامه عليه، وأن رؤيته للحقائق التي عرضت له في هذا المقام العظيم، كانت رؤية محققة، موثّقة، لم يدخل عليها زبغ أو انحراف، عن القصد، أو طغيان، أي مجاوزة، عن الحق، فلم تخلط حقيقة بحقيقة، بل وقع كل شيء موقعه في عين الرسول الكريم، وفى قلبه.
وقوله تعالى: {لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى}.
الضمير في {رأى} للرسول الكريم، وأنه قد رأى في تصعيده في الملأ الأعلى آيات كبرى من آيات ربه، مما لم يقع لبشر غيره.
ووصف الآيات بأنها كبرى، منظور فيه إلى تقدير المخلوقات.. أما آيات اللّه سبحانه وتعالى، فهى جميعها على وصف واحد، وأن أيّا منها هو الكمال كله، والجلال جميعه، ومثل هذا قوله تعالى لموسى- عليه السلام- {لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى}.
هذا ما نراه في {المعراج} على ضوء آيات اللّه.. وفيها نرى أن معراج الرسول- صلوات اللّه وسلامه عليه- إلى الملأ الأعلى، كان استكمالا لتلك الرحلة الروحية، التي أرادها اللّه سبحانه وتعالى لنبيه الكريم ليلة الإسراء، وأن النبي الكريم قطع المرحلة الأولى من الرحلة في العالم الأرضى، بين المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، وأن هذه الرحلة كانت أشبه بمقدّمة لما هو مقدم عليه، صلوات اللّه وسلامه عليه، من العروج إلى العالم العلوي، حتى إذا أنست روحه، واطمأن قلبه، أخذ طريقه إلى الملأ الأعلى مصعّدا، حتى بلغ سدرة المنتهى! وهى غاية ما يمكن أن تحتمله البشرية في الذروة العليا من مراتب كمالها. أما تلك الإضافات، وهذه الذيول، التي تتجاوز هذا المفهوم لآيات اللّه، والتي تحكى عن تلك الرحلة الروحية ما تحكى من غرائب وأعاجيب- فهى في رأينا- مما لا يعوّل عليه.
وقد عرضنا لهذا الموضوع في بحث خاص، عند تفسيرنا لقوله تعالى: {سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا}.
فلينظر هناك.